فوزي آل سيف

21

سيد الجنة : الإمام الحسن بن علي

وسيأتي في صفحات قادمة، بعض الذكر عن بنود الصلح وشروطه، والتزام (أو عدم التزام) معاوية بها. إنما الكلام الآن هو في أصل موضوع الصلح، فقد كان كما في رواية الإمام خيرا للأمة مما طلعت عليه الشمس. 1/ نعتقد في هذا أن الإمام الحسن، وسائر المعصومين وفي طليعتهم رسول الله صلى الله عليه وعليهم لم يكونوا يسارعون إلى القتال والحرب لما لذلك من آثار مدمرة من إزهاق النفوس وإتلاف أموال الأمة وتشتيت العوائل والأسر بفقد رجالها، فإذا كان الإمام علي عليه السلام مثلا يحاسب على دراهم عندما تفقد من بيت المال، فمن الأولى أنه يحسب ألف حساب لما تجر الحرب من خسارة الأموال الطائلة، فضلا عن الدماء السائلة. نعم هذا لا يقتضي أن يتخاذل عن أعداء الله عندما يعلنون عليه الحرب ويستهدفون عباد الله بالقتل وأرزاقهم بالإتلاف وأراضيهم بالأخذ والمصادرة، لكنه لا يلجأ لهذا الأمر كأول الخيارات، وإنما يسعى مقتديا في ذلك برسول الله وأبناؤه به في رد الحرب ما أمكن بالموعظة والكلام والرسائل المتبادلة وأمثالها حتى لا تصل الأمور إلى الاشتباك العسكري. كما لم يكن دفاعهم العسكري وقتالهم الناكثين والقاسطين والمارقين، لأجل دنيا يصيبونها أو رئاسة يتطعمونها وإنما كما قال عليه السلام "اللهم إنك تعلم أنه لم يكن ما كان منا تنافسا في سلطان ولا التماسا من فصول الحطام ولكن لنري المعالم من دينك ويظهر الإصلاح في بلادك ويأمن المظلومون من عبادك ويعمل بفرائضك وسننك وأحكامك".[52] وفي مقابل ذلك وجدنا أعداءهم من قادة حرب الجمل وصفين وغيرهم، لا مانع لديهم من خوض حروب وسفك دماء من أجل أن يكون فلان حاكمًا! فلا غرابة أن يعترك بعضهم مع البعض الآخر قبل أن يتم لهم الأمر![53] بينما منطق المعصومين هو "والله لأسلّمن ما سلمت أمور المسلمين ولم يكن فيها جور إلا عَليَّ خاصة التماسًا لأجر ذلك وفضله، وزهدا فيما تنافستموه من زخرفه وزبرجه".[54] وبناء على هذا فإن المصالحة والمسالمة لم تكن شيئًا استثنائيًا أو بدعة منكرة! 2/ إن مصالحة النبي صلى الله عليه وآله مع قريش مع كونها على الباطل، والنبي على الحق، لم تكن عند بعض أصحابه متفهمة، ولذلك تم الاعتراض عليه بصراحة من بعض المسلمين، وتم عصيان أمره في

--> 52 ) الكاشاني؛ محسن الفيض (ت 1091 هـ) الوافي١٥/ ١٧٩ عن الإمام الحسين عليه السلام. 53 ) البغدادي؛ ابن سعد (ت ٢٣٠): الطبقات الكبرى ط دار صادر ٥/‏٥٤ " ولَمّا قَدِمُوا البَصْرَةَ، فَأخَذُوا بَيْتَ المالِ خَتَماهُ جَمِيعًا طَلْحَةُ والزُّبَيْرُ وحَضَرَتِ الصَّلاةُ فَتَدافَعَ طَلْحَةُ والزُّبَيْرُ حَتّى كادَتِ الصَّلاةُ تَفُوتُ، ثُمَّ اصْطَلَحا عَلى أنْ يُصَلِّيَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ صَلاةً ومُحَمَّدُ بْنُ طَلْحَةَ صَلاةً، فَذَهَبَ ابْنُ الزُّبَيْرِ يَتَقَدَّمُ فَأخَّرَهُ مُحَمَّدُ بْنُ طَلْحَةَ، وذَهَبَ مُحَمَّدُ بْنُ طَلْحَةَ يَتَقَدَّمُ فَأخَّرَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ الزُّبَيْرِ عَنْ أوَّلِ صَلاةٍ، فاقْتَرَعا، فَقَرَعَهُ مُحَمَّدُ بْنُ طَلْحَةَ، فَتَقَدَّمَ". 54 ) الإمام علي عليه السلام: نهج البلاغة١/١٢٤